شريف الحلوانى يكتب قصة قصيرة قصة ( الحب ) في مجلة روائع قلم الأدبية

الحب ...قصة قصيرة بقلم شريف الحلوانى
كانت تجلس يوميا في مقهي راق ، من الساعة الثامنة الي العاشرة ، تطالع الجرائد وتحتسي القهوة ، ترتدي فساتين زاهية الألوان مكشوفة الصدر والذراعين ، لم تكن تعبأ بنظرات الرواد الي ذلك الاخدود الغائر الذي يبدو من فتحة الفستان ولا عبارات الغزل التي كانت اقرب الي التحرش في بعض الأحيان ، لم تكن تعبأ بتلك الجرائد القديمة ولا المجلات التي طالعتها مئات المرات ولا لتلك القهوة المرة ، فقط كانت تعبأ بالشخص الوحيد الذي لم يدرك وجودها ولو لمرة واحدة علي مدار عام كامل ، يجلس يوميا في نفس المكان يحتسي نفس القهوة ولم تعد تذكر هل تشربها مُرة لأنه يطلبها هكذا ام انها كانت في الأصل تشربها مرة ، حاولت مرارا ان تتقرب اليه ، بعض النظرات الساحرة مع ابتسامة خلابة ، لكنه لم يكترث ، فشعرت بوخز عارم بل طعنة في كرامتها ، فقررت التوقف عن الذهاب للمقهى ، لكنها لم تستطع ، فقررت الجلوس اليوم علي طاولته لتتحدث اليه وجها لوجه دون مقدمات ولا ابتسامات ،
مضطربة دقات قلبها منذ ان اتخذت ذلك القرار ، شعرت فجأة انها تود التراجع لكنها تبغض التراجع ، واحتارت امام مرآتها أي فستان ترتدي ، انها بيضاء كالثلج ، انه الأسود اذن ، لكن الأسود لا يليق بالصباح ، الأحمر ؟ لا لا انه لون صارخ سيزيد من توترها ، الأصفر جميل لكن البعض يعتبره مبالغا فيه ، اذن ترتدي الارجواني ( الكوبلت ، البنفسجي الداكن ) سيليق بالصباح وستبدو فيه متألقة ، لم تضع احمر شفاه فقط قامت بتحديدها ، بعض من كريم الأساس لإخفاء النمش الذي لا يكاد ان يُري ، وازدادت عينيها اتساعا علي اتساعهما بذلك الكحل الأسود ، واحتارت للمرة الثانية أ تربط شعرها ام تتركه منسدلاً يداري بعضا من جمال كتفيها ، ثم قررت ربطه من الخلف فقط ، بعض رشّات من العطر الثمين الذي يدوم اثره لساعات وربما لأيام ، ونظرت الي نفسها في اعتداد وشموخ ، انها اقوي من ان تُقهر ، اصلب من ان تُكسر وارق من ان تُلمس ، وهناك في المقهى كان جالسا في يده الصحيفة وفي الأخرى فنجان القهوة وهي عند الباب ، يكاد قلبها ينخلع من مكانه ، يرج جسدها رجاً وهي تكاد تفقد توازنها عند العتبة الاولي ، لكنها تذكرت صورتها عند المرآة واعتدادها بنفسها وشموخها ، فلملمت ما تبقي من شجاعتها وفي خطوات ثابته توجهت الي طاولته ووقفت امامه وملء عينيها ابتسامة تلين لها اعتي القلوب،
- صباح الخير سيدي ، اري هذا المقعد شاغرا من عام مضي ،
أتسمح لي بملئه ؟
قالتها ورأسها مرفوعة ودون ان تحري جوابا سحبت المقعد وجلست ، وبكل الجدية ينظر اليها ، لا يبدو علي وجهه أي رد فعل لتصرفها ، فقط ينظر اليها بملامح جامدة ؛
ينتشلهما النادل يسألها عن طلبها
-كالمعتاد سيدتي ؟
فأومأت برأسها مبتسمة ، فانصرف النادل ، وبتلك الابتسامة التفتت اليه
- تسمح نتعرف ؟
صمته مرعب ، هل تُراه اصم ؟! لحظات صمته اشبه بغمسة في الجحيم ، لكنه لم يصمت بما يكفي لإغضابها ، فأجاب بنفس جدية ملامحه
- مؤمن ، صاحب شركة استيراد وتصدير
ثم عاد لصمته ولكنه لا يزال ينظر اليها ، كم كان صوته عميقا هادئا ، يحمل رنة تدغدغ قلبها ، فانتبهت لصمته ، قد جاء دورها ، وبهدوء مفتعل
- ريهام ، مديرة دعاية وإعلان
وعاد الصمت يخيم عليهما ، كيف تكمل مهمتها ، عن ماذا تسأل ، لماذا لم يسألها عن سبب التطور وجلوسها عنده ، تكاد تختنق تريد أي شيء ، أي كلمات تنطقها ، لكنها غُلِّقَت ، وذهب كل الكلام من رأسها ،

كان ذكيا بما يكفي لفهم صمتها المفاجئ، انه الاضطراب الناتج عن جمود ملامحه ، فهو لم يبد مرحبا بما يكفي لبث روح الالفة في نفسها ، فبادرها هو قائلا في برود
-انا أيضا الحظ ان المقعد المقابل لك شاغرا منذ عام
هنا سكنت نفسها واطمأنت فأخذت نفسا عميقا ، انه يراها و يلحظها ويتبع حضورها وغيابها ، ويعلم انها وحيدة ، لكن لماذا مر عام كامل دون ان يتحرك ، هل في حياته امرأة اخري ؟! هل هو متزوج ! وهنا لم يكد يمر بخاطرها هذا السؤال حتي انتبهت انها طوال عام لم تنظر الي اصبعه ان كان يحمل خاتما ام لا ، وفي جزء من الثانية كاد قلبها ان يتوقف قبل أن تبرز يده من جيبه ويخرج هاتفه ، يده اليسرى فارغة ، واتسعت ابتسامتها حتي بدت اسنانها ناصعة البياض من خلف شفاهها القرمزية ، فقالت
-يبدو انك تلحظ مثلي غياب الرفيق
لكنه كان منشغلا بقراءة رسالة ما علي الهاتف فلم ينتبه لعبارتها ،
-عفوا سيدتي ، انشغلت للحظة
لكن انشغاله لم يؤثر كثيرا علي فرحتها بما وصلت اليه ، فتجاهلت سؤالها وسألت سؤال غيره ،
- هل العمل في مجال الاستيراد والتصدير مربح ؟
كانت تلقي السؤال وكلها لهفة ان يتجاوب معها ، ان تستشعر شيئا من الالفة في حديثه وتلك النبرة الرنانة التي تحمل الكثير من الثلوج في طياتها ، لكن تبا ذلك السؤال سيفسر علي انها امرأة مادية تحب المال ، كيف تكون بهذا الغباء ،
واحمرت وجنتاها وتمنت لو ان الأرض قد انشقت في الحال وابتلعتها ، فبادرته قبل الإجابة بالاعتذار
-عذرا سيدي لم اكن اقصد من سؤالي سوي تجاذب اطراف الحديث
وهنا في تلك اللحظة بدأ الجليد يذوب ، ونظرته الجامدة بدت عطوفة حانية غامرة الي ابعد الحدود ، يا الهي كم جميلة عيناه ، كيف يخفي هذا السحر خلف تلك النظرات الجامدة ، لم يرفع عينه عن عينها وهو يبتسم ويقول
- لا عليك يا سيدتي ، انا لا احكم علي الناس من مجرد كلمات ، فانا لا ادري ما الحالة النفسية الداخلية عندهم حين نطقوا بها ، انا ادع المعاملات تثبت بجدارة كلماتهم
لم تشعر معه بالوقت ، قد حان موعد انصرافهما ، ولترفع عنه الحرج قامت بالنظر في معصمها الي ساعة ذهبية انيقة تبدو كسوار ، فقالت بنبرة منزعجة رغم محاولاتها الجاهدة في اخفائها
- انها العاشرة
فبادرها قائلا
-هل سيكون مقعدك شاغرا غدا ؟
فأجابت بابتسامة ملئها الحب
- كلا
انتهت
بقلم : شريف الحلوانى

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شعر بقلم المبدع الشاعر أيمن محمد الوردانى اسمه هوا انتي ليه مش مصدقة في مجلة روائع قلم الأدبية

المبدعه سماح شلبي تكتب ( أنا عاشقاك ) في مجلة روائع قلم الأدبية